ابن عطاء الله السكندري
60
تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )
وفي ( الصحيح ) عن أسماء بنت أبي بكر الصديق - رضى اللّه عنهما - قالت : ( قدمت على أمي وهي مشركة في عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ، فاستفتيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ، قلت : قدمت على أمي وهي راغبة أي : في العطاء والإحسان أفأصل أمي ؟ قال : نعم ، جبلي أمك ) « 1 » . إكرام الأم : وهذا الإحسان الواجب لهما ، جانب الأم آكد فيه من جانب الأب ، وحظها فيه أوفر من حظه ، ويشير إلى هذا تخصيصها بذكر أتعابها في قوله تعالى : وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ( 14 ) [ لقمان : 14 ] . وفي الآية الأخرى : وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ( 15 ) [ الأحقاف : 15 ] ، فذكر ما تعانيه من ألم الحمل ، ومشقة الوضع ، ومقاساة الرضاع والتربية . وجاء التصريح بهذا في الحديث الصحيح : فقد جاء رجل إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال : « من أحق الناس بحسن صحابتى ؟ قال : أمك ، قال : ثم من ؟ قال : أمك . قال : ثم من ؟ قال : أبوك » . فذكر الأب في الثالث ، وفي طريق آخر للحديث ، ذكره في الرابعة ولقد كان لها هذا بما ذكر من مزيد تعبها ، وضعف جانبها ، ورقة عاطفتها ، وشدة حاجتها ، فكان هذا الترجيح لجانبها من عدل الحكيم العليم ومحاسن الشرع الكريم . ومن الإحسان إليهما طاعتهما في الأمر والنهى ، ومن عقوقهما مخالفتهما فيهما . متى تحل مخالفتهما ؟ وإنما تحل له مخالفتهما إذا منعاه من واجب عيني ، أو أمراه بمعصية ، لما في ( الصحيح )
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 2 / 924 ) ، ( 5 / 2230 ) . ومسلم ( 2 / 696 ) ، وأحمد في المسند ( 6 / 344 ، 347 ) .